ابن بسام

313

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وسيفضي ذلك بمشيئة اللّه إلى ما يستجيزه الحاجب مولاي من إمتاع ، ويقبله من شاهد ، ويستطرفه من أدب ، ويستلطفه من إجمال طلب ، وجمال مذهب . كما أني أعلم أني سأصل إلى ما لم أعهد مثله من بهاء منظر ، وسناء مخبر ، ورفعة شأن ، وعظم سلطان . ولعلّ السعادة تهيئ لي من الحظ ما أثبت به ما ادّعيته لنفسي من هذه الصفات ، وأنجز معه ما قدّمت عنها من هذه العدات ، فحول اللّه في ذلك كفيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل . زاد اللّه الحاجب مولاي من سنيّ قسمه ، وهنّي نعمه ، وبلغه النهاية من آماله ، وصرف بعزته غير الزمان عن كماله . وكتب إليه بعد أن صدر عن حضرته إلى قرطبة رقعة يقول فيها : أطال اللّه بقاء مولاي للنعم يطوقها ، ( والآمال يصدّقها ) [ 1 ] ، والمنن يقلّدها ، والأحرار يستعبدها . يعلم الذي أسأله إعزاز مولاي ، وإعلاء أمره ، وصلة تأييده ، وتمكين نصره ، أني لم أزل منذ فارقت حضرته الجليلة ، حضرة المجد والسيادة ، ومحلّ الإقبال والسعادة ، لهج اللّسان بما أجناني من ثمار الحكمة والنعمة ، وأفادني من عقد الأدب والنشب ، فمن كبد حاسد تصدّعت ، وأنفاس منافس تقطعت ، وناعم البال كسفت باله ، ومتمنّ لحالي طالما تمنيت حاله ، وقلّ لمن نال أدنى مكانة منه ، ورقي أوّل درجة من الخصوص به ، أن تحسده الكواكب في إشرافها ، وتنحشد إليه الأماني من أطرافها ، واللّه يبقيه لعبيده الذين أنا آخرهم في الخدمة ، وأوّلهم في شكر النعمة ، ويرفع من هممهم ما انخفض ، ويبسط من آمالهم ما انقبض ، ولا يعدمهم التقلّب في نعمه ، والاعتلاق بأسباب ذممه ، بمجده وكرمه . وكانت من مولاي - أعزّه اللّه - إشارة بل عبارة أعددتها طليعة لسعود ستتوافى [ 2 ] طلقا ، ومقدمة لمسرات ستتوالى سبّقا [ 3 ] ؛ فلما لحق الجسم بعد تركه النّفس لديه ، والبراءة منه [ 4 ] إليه ، بالوطن الذي / أسلاني عنه ، وأسنى لي العوض منه ، تأتيت من طاعته المقترنة بطاعة اللّه في نفسي مماوكته ، ( لما أنا مهنّأ به ، منافس فيه ، فساعفت

--> [ 1 ] زيادة من نسخة دار الكتب . [ 2 ] س : تتوافى . [ 3 ] في المطبوعة : نسقا ، وهي قراءة جيدة . [ 4 ] الضمير في « منه » يعود إلى « الجسم » .